... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله

 

  مقالات

   
الفنان حسين قدوري وداعا (1934 – 2005م )

حبيب ظاهر العباس

تاريخ النشر       28/09/2008 06:00 AM


تمتاز مدينة المسيب بمكانةٍٍ خاصة في تاريخ العراق، ترجع إلى أواسط القرن الأول الهجري أو إلى أوآخر القرن الخامس للهجرة في رأي آخر، وهي على كل حالٍ مدينة قديمة أصيلة جميلة حلوة، وعلى الرغم من تقادم العهد فإن هذه البلدة الطيبة توحي إلى أهلها وسكانها بالماضي الجميل الأصيل، تحتفظ بما لم تستطع الحياة الجديدةُ أن تزيله من عاداتها ورسومها وآدابها وفولكلورهـا.
 
 فـي ربيع عـام (1934م) ولد الفنان الراحل حسين قدوري في هذا المحيط الرائع، وفي عام (1949م) بعد وفاة والده انتقلت عائلته إلى مدينة بغداد، وفيها أنهى دراسته الإعدادية من قسم التجاري للفرع الإنكليزي ومعهد الفنون الجميلة – قسم الموسيقى، وحصل على زمالتين للموسيقى في كل من أكاديمية فرانز ليست للموسيقى ومعهد العلوم الموسيقية التابع لأكاديمية العلوم المجرية في بودابست. الفنان قدوري مدرساً : عملَ مدرساً ثم رئيساً لقسم الموسيقى بمعهد الفنون الجميلة بوزارة التربية، ثم انتدب إلى وزارة الثقافة والإعلام للعمل في دائرة الفنون الموسيقية، حيث عُين مديراً للمركز الدولي لدراسات الموسيقى التقليدية ومعاوناً للمدير العام إضافة إلى توليه مهام إدارة معهد الدراسات النغمية العراقي.
 
وفي عام (1989م) أنتدب للعمل خبيراً وباحثاً موسيقياً في مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية والذي مقرُهُ في مدينة الدوحة (قطر). الفنان قدوري عازفاً : الفنان حسين قدوري عازف على آلة الفيولنسيل (Cello) من طراز خاص، وهو مؤسس لفرق موسيقية معروفة في العراق والوطن العربي منها: فرقة رباعي بغداد الوتري، وفرقة خماسي الفنون الجميلة، وفرقة الأطفال للإنشاد، وأحد المؤسسين للفرقة السيمفونية الوطنية للموسيقى. يعتبر الفنان حسين قدوري رائداً في مجال التربية الموسيقية للأطفال، منطلقاً من أهمية الطفل الذي يحتل في المجتمع العراقي مركزاً في غاية الرعاية والعناية والتقديس، ويستوي في المجتمعات عموماً على عرشٍ زاهٍ من الحب والحنان والعطف، وبذلك كان من حق الأطفال على أهل العلم والفكر والبحث أن يهتموا بدراسة كل ما يتعلق بحياتهم من قضايا وشؤون، لأنهم جديرون بذلك.
 
ومن هنا كانت مؤلفات قدوري في ثقافة الأطفال العراقيين وسائر أطفال العالم العربي حاجة في غاية الضرورة، إذ عالج بمؤلفاتة القيمة جوانب لم تخطر على بالِ باحث سواه، حيث كان له في عالم الطفل صولةٍ وجولة ودولة، إذ تناول الطفل وليداً ورضيعاً وصبياً ويافعاً بعد جهود مضنية قام خلالها بمسوحات ميدانية،ٍ متجولاً في أرجاء عديدةٍ من العراق في القرى والأرياف والبوادي، يتلقف فيها ما غث وسمن من مصادر عامية وشعبية، فكان ذلك الجذر العميق لدراساته القيمة. الفنان قدوري باحثاً : وهذا هو الفنان حسين قدوري يسعى مخلصاً لجمع لُعَب وأغاني الأطفال قبل أن تضيع كما ضاع غيرها من الموروثات الشعبية، فقد جال في هذه الساحة غير مرةٍ فأجاد، إذ أنه أحسن الإلمام بحصيلة غنيةٍ من هذه اللعب والأغاني ليصدر من خلالها مسلسل كتابة بعنوان (لُعَب وأغاني الأطفال الشعبية في الجمهورية العراقية) بأربعة أجزاء تقع في ألف وسبعِمئةِ صفحة تتضمن ألفاً ومئتي لعبةٍ وأغنيةِ، وكان مسك ختامها كتابة الموسوم بالجزء الرابع بعنوان (غناء الأم العراقية لأطفالها) ذلك الكتاب الذي توشح بالترنيمةِ الفولكلورية الذائعة الصيت (دللول يالولد يبني دللول، عدوك عليل وساكن الجول..). وبجهد وجدارة اتخذت هذه المجاميعُ من مؤلفاته موضع الصدارة في المكتبة العربية لكونها سفراً موسوعياً حافلاً بالدراسات والتحليل والمقارنة.
 
كما يعتبرُ كتابة الموسوم (أصول التعليم في الكتاتيب العراقية) دراسةً دائبةٍ وأمانةً تامة، لكون مهنة الكتاتيب أصبحت في طي النسيان نظراً للتطور الحاصل في مراحل التعليم. ونلاحظ بوضوح أن قدوري في كتابة هذا قد اعتصم بحرفية الصنعة وقواعدها، حيث ذهب إلى تدوين مؤلفات الكتاب بالنوتة الموسيقية بعد تحليلها موسيقياً وتصنيفها إيقاعياً.
ووصولاً إلى كتابة الأخير (التربية الموسيقية للأطفال)، الذي هو بحق إنجاز ثقافي آخر جاء تلبية لتوصيات مؤتمر الموسيقى العربية الأول المنعقد في القاهرة عام (1932م)، حيث أصبح هذا المؤلف نقطة الانطلاق وحجر الزاوية في إرساء ركائز الموسيقى باتجاه التربية الموسيقية للأطفال في مراحلها كافة، متناولاً بذلك طروحات عالج من خلالها واقع التربية الموسيقية في المدارس الابتدائية وسبل النهوض بها، وصولاً إلى توصيات تناغم المدارس العالمية التي تمثلت بمدرسة سلطان كوداي ومدرسة إميل جالك ومدرسة كارل اورف وغيرها من المدارس العالمية التي اهتمت بالتربية الموسيقية للطفل. وبالتالي يعتبر هذا الكتاب ظاهر التوفيق في حسن التأليف ودقة التنسيق واستيعاب الموضوع بكل ما أتسع له أطار البحث.
 
الفنان قدوري إذاعياً : ومن الجدير بالذكر أن الجهود التي قدمها الفنان حسين قدوري لم تمنعة من دخول ميادين العمل الإذاعي، حيث سجل أكثر من سبعمئة أغنية للطفل أخذت مواقع بارزةً في مكتبات الإذاعات العراقية والعربية، كما نَشرت له الدوريات والصحف عدةَ دراسات قيمة في مجال اختصاصة. لقد شكل الفنان الراحل حسين قدوري علامة بارزة في نهضة الموسيقى العربية المعاصرة، إذ ذاع صيته لمجمل نشاطاته الموسيقية والتربوية من خلال مسيرته الفنية التي استمرت نصف قرن، تمكن خلالها من إثراء الموسيقى العربية بفكره وبحوثه ونشاطاته التي منحته الريادة في الحركة الموسيقية، كما سجل حضوراً لامعاً في أغلب المنابر والمؤتمرات والمهرجانات العراقية والعربية والدولية. لا سيما تلك البرامج التي كانت في نطاق برامج المجمع العربي للموسيقى. الفنان قدوري مفخرة عربية : وبعد، لقد رافقت أستاذي حسين قدوري في محافل ثقافية عديدة فوجدته مركز أشعاع لكل من حوله، ووجدته مفخرة عراقية عربية بغزير علمه وتنوع معرفته، يلقي إليك بما عنده وكأنه يأخذ منك، ويتلقى عنك ثم هو بعد ذلك يتوجه بالشكر إليك ... سيبقى حتماً راحلنا حاضراً ومشرقاً في ذاكرة الحركة الموسيقية بعد أن ترك رؤوس أقلامٍ وعناوين شتى لدراساتٍ قادمة هي في القانون الحضاري من بعض حاجات الباحثين في المستقبل.

رجوع


مقالات اخرى لــ  حبيب ظاهر العباس


 
 

ابحث في الموقع

Search Help

انضموا الى قائمتنا البريدية

الاسم:

البريد الالكتروني:

 

 

Copyright © 2008 Arab Academy of Music All Rights Reserved.

Designed & Hosted By ENANA.COM